محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

مقدمة 10

الروض المعطار في خبر الأقطار

وقد كان الحميري وفيا لجانب كبير من هذه الخطة ، فهو حقا قد صنف معجما جغرافيا تاريخيا ، ( أو إن شئت فقل معجما تاريخيا جعلت الجغرافيا مدخلا اليه ) مرتبا عل حروف المعجم ، حسب ترتيبها المشرقي ، ولا ندري لم اتبع هذا الترتيب مع أنه في داخل الحرف الواحد ، حاول أن يتمشى على الترتيب المغربي ، ( هل يمكن أن نفترض أن النساخ المشارقة أعادوا ترتيبه على النحو الذي يألفونه ؟ ) ثم هو قد أضرب عن ذكر عدد كبير جدا من البلدان ، وحاول في الأغلب أن يكون ما يذكره مشهورا متصلا بحادثة أو قصة أو معنى مستملح مستغرب ولكنه إلى جانب ذلك ذكر أماكن لا شهرة لها . ولا يتعلق ذكرها بخبر طريف أو غريب ؛ وربما لم يزد التعريف بها عن سطر أو سطرين ، وكثيرا ما خرج من حيز الخبر المستطرف إلى الخبر العجيب ، وغلبت عليه الروح « العجائبية » التي ظلت ترافق كثيرا من الجغرافيين في شتى العصور ؛ أما مقايسته كتابه بنزهة المشتاق فإنها مقايسة في غير موضعها ، لأن الإدريسي اقتصر إلى حد كبير على « المفهوم الجغرافي » وحاول أن يقلل ما استطاع من الشؤون العجائبية ، ولذا فإن الحميري حاول أن يفرض مفهوما جديدا هو مفهوم « المتعة والعبرة » ، وذلك ربما كان في أكثره خارجا عن مفهوم مؤلف مثل الإصطخري والحوقلي والإدريسي . أما قضية الايجاز فربما كان فرضها خطأ منذ البداية لأن من شاء أن « يمتع » القراء بالأخبار لا يستطيع دائما أن يتحكم في إيرادها ، وفي مرات أحسّ ابن عبد المنعم أنه تجاوز حدود الايجاز فاعتذر عن ذلك ( كما فعل في مادة الزلاقة والأندلس ) ؛ ولكنه لم يحاول أن يوجز حين تحدث عن إرم والأهرام وسرد قصة بعض الفتوحات في صدر الاسلام أو حين تحدث عن حرب البسوس ومعركة ذي قار . كما أن قاعدة الإيجاز اختلت لديه لأسباب أخرى منها : 1 - عدم سبكه المادة المنقولة من مصادر جغرافية مختلفة ، وإنما هو يوردها تباعا ، وقد يكون المنقول عن البكري مثلا تكرارا - بأسلوب آخر - لما سبق أن نقله عن الإدريسي أو عن الاستبصار . 2 - تكراره المعلومات الواحدة في مادتين مختلفتين ، فما يصلح أن يكتب في مادة « الدامغان » قد يعاد نصّا في مادة « قومس » وما يذكر في مادة « الزرادة » يجيء تكرارا لبعض ما ذكر في مادة « جنابا » . 3 - تكراره ذكر الموضع الواحد لأن اسم البلد ورد في شكلين مختلفين مثل : لياج - الياج ، طرابنش - أطرابنش ؛ وشقة - وشكة ، وهكذا . ثم إن تأليف معجم جغرافي مرتب على حروف المعجم لم يكن بالنسبة لابن عبد المنعم الذي لم يرحل ولم يكتب عن مشاهدة - أو حتى عن سماع - محوطا بكثير من التوفيق ، فقد ضخم الترتيب الهجائي من أخطائه - وهي أخطاء لا يمكن أن تظهر بهذا الوضوح في مؤلف جغرافي عام ، لأنها تحمل على الناسخ في الأغلب لا على المؤلف ، غير أنها تظهر واضحة في معجم مرتب على حروف الهجاء ، وقد كان الحميري يعتمد في تصنيفه على الكتب ، وكان يقرأ اسم البلد حسبما